عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

298

اللباب في علوم الكتاب

الاستدلال بهذا إنما يصحّ لو ثبت كون القرآن حقّا ، والنزاع ليس إلا فيه . والجواب كون الموت متضمنا للآلام يكون كالصارف عن تمنّيه . قلنا : كما أن الألم الحاصل عند الحجامة لا يصرف عن الحجامة للعلم الحاصل ؛ لأن المنفعة الحاصلة عن الحجامة عظيمة وجب أن يكون الأمر هاهنا كذلك . وقوله : لو قلبوا الكلام على محمد لزمه أن يرضى بالقتل . قلنا : الفرق بين محمد - عليه الصلاة والسلام - وبينهم أن محمدا كان يقول : إني [ مبعوث ] « 1 » لتبليغ الشّرائع إلى أهل التّواتر ، وهذا المقصود لم يحصل بعد فلأجل هذا لا أرضى بالقتل ، وأما أنتم فلستم كذلك فظهر الفرق . وقوله ثالثا : كانوا خائفين من العقاب . قلنا : القوم ادعوا أن الآخرة خالصة لهم ، وذلك يؤمنهم من الامتزاج . وقوله رابعا : نهي عن تمني الموت . قلنا : هذا النهي طريقه الشرع ، فيجوز أن يختلف الحال فيه بحسب اختلاف الأوقات . فصل في بيان متى يتمنى الموت روي أن عليّا - رضي اللّه عنه - كان يطوف بين الصّفّين في [ غلالة ] « 2 » ، فقال له ابنه الحسن - رضي اللّه عنه - ما هذا بزيّ المحاربين ، فقال : يا بنيّ ، لا يبالي أبوك أعلى الموت سقط أم عليه [ يسقط ] . وقال عمار - رضي اللّه عنه - ب « صفين » : [ الرجز ] 672 - الآن ألاقي الأحبّه * محمدا وحزبه « 3 » وقد ظهر عن الأنبياء في كثير من الحالات تمنّي الموت على أن هذا النهي مختصّ بسبب مخصوص ، فإنه - عليه الصلاة والسلام - حرّم أن يتمنّى الإنسان الموت عند الشّدائد ؛ لأن ذلك كالجزع والخروج عن الرضا بما قسم اللّه - تعالى - فأين هذا مما نحن فيه ؟ وقولهم خامسا : « إنهم ما عرفوا المراد التمنّي باللسان أم بالقلب ؟ » . قلنا : التمني في لغة العرب لا يعرف إلا بما يظهر بالقول ، كما أن الخبر لا يعرف إلّا بما يظهر بالقول ، ومن المحال أن يقول عليه الصلاة والسلام : « تمنّوا الموت » ، ويريد بذلك [ ما لا يمكن الوقوف عليه ] ، مع أن الغرض بذلك لا يتمّ إلّا بظهوره .

--> ( 1 ) في ب : بعثت . ( 2 ) في أ : غلالته . ( 3 ) ينظر الفخر الرازي : 3 / 160 ، الكشاف : 1 / 297 .